أزمة الكفاءة القانونية في الأجهزة الحكومية: لماذا تتزايد الأحكام القضائية ضد الدولة؟

بقلم: الأستاذة منى سلامة

المحامية بالنقض والمدير التنفيذي لشركة سلامة للمحاماة والقانون

 

أصبح من الواضح الجلي تزايد الأحكام القضائية الصادرة لصالح المواطنين ضد أجهزة الدولة لم يعد مجرد ظاهرة قانونية، بل أصبح مؤشرًا سياسيًا وإداريًا مقلقًا يكشف خللًا عميقًا في طريقة إدارة مؤسسات الدولة.

فالمسألة إذا تجاوزت كونها صراعًا بين مواطن وجهة إدارية، حيث تحولت إلى أزمة كفاءة ومسؤولية داخل أجهزة يفترض أنها حارسة للقانون لا خصمًا له.

غياب الوعي القانوني داخل مواقع اتخاذ القرار

ومن واقع الخبرة والاطلاع والبحث وجدنا أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن بعض من يتولون مناصب تنفيذية ومسؤوليات جسيمة داخل أجهزة الدولة، لا يمتلكون الحد الأدنى من الوعي القانوني الذي يتطلبه موقعهم، ومع ذلك يتخذون قرارات مصيرية تمس المال العام وحقوق المواطنين، دون إدراك لعواقبها.

ثقافة “احمِ نفسك أولًا” بدلًا من احترام القانون

ففي كثير من الأحيان، لا يكون القرار مبنيًا على صحيح القانون، بل مبنيًا على قاعدة الموظف المتربص “احمِ نفسك أولًا”، أو “لا للقانون ونعم للأحكام”، فيتحول المنصب من أداة لخدمة الدولة إلى وسيلة لتجميد الملفات، أو التعنت، أو الهروب من تحمل المسؤولية، تلك المسؤولية التي يلقيها الموظف العام على كاهل المحكمة وهي على كاهله بالأساس، فلا يطبق القانون، بل يلزمه ليعطي المواطن حقه حكمًا من المحكمة بحيث يخلي مسؤوليته أمام رؤسائه، ويتحاشى مساءلته عن صرف مبالغ أو التصريح بإجراء أو عمل أو تطبيق الخاص المقيد للعام باعتباره استثناءً يمنحه القانون لمستحقيه، فيكون جوابه عن مسائلته “الحكم واجب النفاذ”

تسلسل الكارثة: من القرار الخاطئ إلى التعويض من المال العام

وهكذا تبدأ وتتسلسل مراحل الكارثة: قرارات إدارية خاطئة، ومن ثم تظلمات من صدرت في غير صالحهم القرارات، ثم تجاهل لهذه التظلمات وعدم البت فيها وأصبح رفضها نتيجة معلومة مسبقًا، وينبني على ذلك استخدام السلطة بلا سند، وصولًا لصدام مباشر أمام القضاء، والتي تحكم بإلغاء القرارات الإيجابية والسلبية، وتفرض على الجهة الصادر ضدها أن تفعل ما كان لابد أن تفعله من البداية لو طبقت القانون، بما يعني انتصارًا للمواطن وإدانة للجهة، انتهاءً بأن تدفع الدولة تعويضات ضخمة من المال العام.

السؤال الجوهري: من يتحمل المسؤولية؟

وهنا يثور السؤال السياسي الخطير: من المسؤول عن هذه الخسائر؟ هل تُحاسَب أجهزة الدولة سياسيًا فيقال وزير أو وزارة بالكامل، أم تصدر قوانين لضمان إنفاذ القوانين، فيخالفها الموظفون أيضًا كما خالفوا ما شرعت من أجله، أم يظل الخطأ فرديًا والعقاب جماعيًا تتحمله الخزانة العامة؟

قضايا كان يمكن حلّها إداريًا دون اللجوء للقضاء

وقد وجدنا أن الأخطر أن عددًا كبيرًا من هذه القضايا لم يكن يجب أن يصل إلى المحاكم من الأساس؛ فلو كان من هم في موقع المسؤولية عالمين بالقانون واعين لمفهومه ومقتضياته، مدركين لمسؤولياتهم وما يناط بهم من خلاله وبه، على دراية بما يترتب على الإخلال به من جانبهم من خسائر فادحة للدولة، وعلى قدرٍ من الوطنية التي لا يستنكفون فيها وضعهم في محل المسؤولية، مدركين ثغراته، وقادرين على توظيفه لصالح الدولة والمواطن معًا، لحلت وفضت النزاعات إداريًا، دون استنزاف مالي أو تشويه لصورة الدولة.

المنصب العام: مسؤولية لا منطقة أمان

لكن غياب التأهيل القانوني داخل مواقع القرار، واعتبار المنصب “منطقة أمان” لا “موقع محاسبة”، جعل أجهزة الدولة تخسر معارك كان يمكن تفاديها، وتدفع ثمن أخطاء لم ترتكبها كمؤسسة، بل ارتكبها أفراد. ولكن للأسف أصبحت ثقافة “أمن نفسك” أو “حصن نفسك” شائعة بين موظفي الأجهزة الإدارية، بحيث إنهم يعتقدون أنهم إن طبقوا القانون فإنهم يتساهلون في حق الدولة وبالتالي سيسألون لما قررتم ذلك، بل إن الحقيقة أنهم يسئلون “هل لدى المواطن حكمًا من المحكمة” إذ أصبح القانون لا يطبق إلا أن تأمر المحكمة بتطبيقه.

ورغم حالات المثل العديدة، والتي يكفي أن تقرر المحكمة فيها مرة واحدة ما يجب فعله أو كان -بالأحرى- واجبًا فعله، فإن الأجهزة الإدارية تقف عائقًا أمام كل حالة بما يستلزم اختصامها في كل مرة ليصدر الحكم هو هو دون تغيير إلا في بيانات الخصم والمبالغ الواجب التعويض بها.

الدولة القوية تمنع النزاع قبل وقوعه

وجدير في هذا المقال القول بأن قوة الدولة لا تُقاس بعدد القضايا التي تكسبها فنقول قوية، أو تخسرها فنقول ضعيفة؛ بل بقدرتها على منع النزاع قبل وقوعه، وبوجود مسؤولين يفهمون أن القانون ليس عائقًا، بل خط دفاع راسخٍ عن الدولة وعن مالها وهيبتها.

إصلاح ضروري لحماية الدولة من نفسها

وأخيرًا نقول وبحق؛ إن إعادة الاعتبار للوعي والكفاءة القانونيين، والتأكيد على ارتباط المنصب بالمساءلة، وتدريب المسؤولين على فهم القانون لا الالتفاف عليه، لم تعد مطالب إصلاحية عادية، بل أصبحت ضرورة سياسية لحماية الدولة من نفسها.

وإننا نأمل من الدولة أن تتخذ من الضمانات والإجراءات ما تحترز به من مغبة إهدار المال العام على النحو المذكور، تماشيًا مع رؤية الجمهورية الجديدة وما نشهده من واقع ونلمسه من تطور على كافة الأصعدة.

Related Posts

مشروع قانون الإجراءات الجنائية بين الرئيس والبرلمان

يسلط المقال الضوء على التوازن بين حماية الحقوق الدستورية ومتطلبات العدالة الجنائية، ويقدم تحليلًا لموقف الرئيس من مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد في مصر وردّه إلى البرلمان.

إطلاق منظومة التقاضي عن بُعد – محكمة شرق الإسكندرية نموذجًا

بتاريخ 12 أغسطس 2025، شهدت محكمة شرق الإسكندرية الإطلاق الرسمي لمنظومة التقاضي عن بُعد في الدعاوى الجنائية، بما يتيح حضور المحامين جلسات مد الحبس الاحتياطي افتراضيًا، في خطوة نحو قضاء رقمي يحقق السرعة والكفاءة مع ضمان حقوق الدفاع.

You Missed

ارتفاع سعر الدولار في مصر قراءة في إدارة خروج الاستثمارات قصيرة الأجل

  • من MAHMOUD
  • مارس 6, 2026
  • 67 views
ارتفاع سعر الدولار في مصر قراءة في إدارة خروج الاستثمارات قصيرة الأجل

حقُّ المحامي في قبولِ التوكيلاتِ

  • من MAHMOUD
  • فبراير 4, 2026
  • 316 views
حقُّ المحامي في قبولِ التوكيلاتِ

أزمة الكفاءة القانونية في الأجهزة الحكومية: لماذا تتزايد الأحكام القضائية ضد الدولة؟

  • من MAHMOUD
  • يناير 7, 2026
  • 329 views
أزمة الكفاءة القانونية في الأجهزة الحكومية: لماذا تتزايد الأحكام القضائية ضد الدولة؟

الحماية الجنائية للشيكات البريدية

  • من MAHMOUD
  • ديسمبر 30, 2025
  • 2005 views
الحماية الجنائية للشيكات البريدية

زميلي المحامي الجديد جدًا – اللغة تاج الدفاع

  • من MAHMOUD
  • أكتوبر 24, 2025
  • 887 views
زميلي المحامي الجديد جدًا – اللغة تاج الدفاع

المحاماة مظهرًا وجوهرًا

  • من MAHMOUD
  • أكتوبر 23, 2025
  • 1264 views
المحاماة مظهرًا وجوهرًا