المحاماة مظهرًا وجوهرًا

المحاماة بين المظهر والجوهر

المحاماةُ مهنةٌ قديمةٌ عريقةٌ، لمْ تنشأْ بالأمسِ القريبِ، ولمْ تكنْ يومًا مجردَ وظيفةٍ يمارسُها المحامي لكسبِ الرزقِ أو تحقيق العيشِ؛ بل هي رسالةٌ ساميَةٌ، وعباءةُ وقارٍ، ودرعُ شرفٍ، يحملُهُ من اختارَ أنْ يسيرَ في دربِهَا.

إنها حِرفَةُ العقلِ والضميرِ، وصوتُ الحقِّ في وجْهِ الباطلِ، ولسانُ العدالةِ حينَ تُكمَّمُ الأفواهُ؛ ومن ثمَّ، فإنَّهَا ليستْ شأنًا خاصًّا بأصحابِهَا وحدَهُمْ، وإنَّمَا شأنٌ عامٌّ يخصُّ المجتمعَ بأسرِهِ، لأنَّ المحاماةُ -وإن كانتْ نيابةً عن الغيرِ بمعنى نيابةٍ عن الفردِ- إلا أنَّهَا في جوهرِهَا دفاعٌ عنِ الحقوقِ والحريَّات، وتُنافِحُ عن المظلومينَ، ويقفُ المحامي حصنًا منيعًا ضدَ تعسُّفِ السلطةِ، أو طغيانِ الخصمِ.

ولأنَّ المحاماةَ رسالةٌ، وليستْ مجرَّدَ مهنةٍ، فإنَّهَا تحملُ على عاتِقِهَا أبعادًا أخلاقيَّةً وسلوكيَّةً، تجعلُ منَ الْمحامِي مرآةً تعكسُ صورةَ العدالةِ أمامَ الناسِ.

ولعلَّ أولَ ما تقعُ عليهِ العيونُ حينَ يلتقي الناسُ بالمحامِي ليسَ فصاحتَهُ ولا مذكراتِهِ، وإنَّمَا مظهرُهُ، وهيئتُهُ، وسلوكُهُ الظاهرُ؛ فالمظهرُ – في ميزانِ المحاماةِ – ليس شكلًا عابرًا، أو سماتٍ جوفاءَ، وإنَّمَا هو جزءٌ منْ كيانِ المحامي، وصورةٌ صادقةٌ عنْ شخصيةِ صاحبِهِ، ودليلٌ على مقدارِ ما يحملُهُ منْ وقارٍ وهيبةٍ.

المظهر ليس زينة وإنما شهادة

وقدْ تعلمْنا على أيدي شيوخِ هذهِ المهنةِ الأجلَّاءِ، وعلى رأسِهِم الفقيهُ الأستاذُ رجائي عطية نقيبُ رحمَهُ اللهُ- أنَّهُ حينَ يدخلُ المحامي قاعةَ المحكمةِ، فإنه يدخلُ محرابًا للعدلِ، وتلتفتُ إليهِ الأبصارُ قبلَ أن يصدَحَ بمرافعةٍ، أو يتلو دفوعًا.

الناسُ تنظرُ إليهِ منْ بعيدٍ، تقيسُهُ أولًّا بهندامِهِ، بوقفتِهِ، بطريقةِ جلوسِهِ، على النحوِ الذي يعكسُ احترامَهُ لذاتِهِ ومكانتِهِ؛ فكيفَ لمن لا يحترمُ نفسَهُ ومهنتَهُ أن يحترمَ الآخرينَ وقضاياهُمْ.

إنَّ ارتداءَ المحامي لزيِّهِ المهندمِ ليسَ مجردَ تقليدٍ مهنيٍّ، بل هو شهادةٌ غيرُ منطوقةٍ تُعلنُ عَنْ مكانَتِهِ وجدِّيَّتِهِ، وعنْ إيمانِه بِرسالتِهِ. فالمظهرُ هُنَا يصبحُ خطابًا صامتًا، يسبقُ كلماتُ المحامِي، ويضعَهُ في موضعِ الاحترامِ، قبلَ أنْ ينطقُ حرفًا واحدًا.

والكلامُ يأتي بعدَ المظهرِ ليُصَدِّقَهُ، أو ليبيِّنَ أن صاحِبَهُ لا يملكُ غيرَهُ، وكأنَّهُ تمثالَ عرضٍ (مانيكَان) فيتضحُ فراغُهُ، وتتكشَّفُ سريرَتَهُ. وقد قالتِ الحكمةُ “تكلَّمْ حتى أعرِفَكَ.

ومما نستدلُّ عليهِ من تصديقِ أو تكذيبِ الجوهرُ للمظهرِ فإن كذَّبَهُ لم يعدْ إلا صورةً كاذبَةً، ما رُويَ عنْ أبي حنيفَةِ في مجلسٍ من مجالسِهِ، حيثُ سَئَلَهُ أحدُ الحاضرينَ عنِ الصائمِ يأكلُ ويشربُ ويطأُ إلى اطلاعِ الفجرِ، وكانَ عندَهُ رجلٌ نبيلٌ مهيبُ المنظرِ عطرُ الرائحَةِ حسنُ الثيابِ فاخِرُها، فقالَ: أرأيتَ إنْ طلعَ الفجرُ نصفَ الليلِ؟ فقال أبو حنيفةَ لَهُ: الزمِ الصَّمْتَ يا أعرَجُ.

الجوهر هو الأصل والمظهر بوابته

فكما تبيَّنَ لحضرتكمْ، المظهرُ وحدُهُ لا يكفي، وإلا أصبحَ المحامي صورةً خاويةً بلا مضمونٍ. فالجوهرُ هو الأصلُ، وهو ما يملُكُهُ المحامي مِنْ علمٍ ومعرفةٍ، وما يكتنزُهُ منْ خبرةٍ وتجاربٍ، وما يتحلَّى بهِ مِنْ مبادئَ وقيمٍ. ولكنْ على الرغمِ مِنْ أصالةِ الجوهرِ، فإنَّ المظهرَ يظلُّ بوابَتَهُ الأولى.

ولقد تردَّدَ على أسماعِنا الحكمةُ الغربيَّةُ القائلةُ أنَّ “الانطباعَاتُ الأولى تدومُ”. ;كما قدْ أظهرتْ الدراساتُ أنَّ الإنسانَ يُكوِّنُ رأيًا عَنِ الشخصِ الذي يقابلُهُ لأولِ مرةٍ خلالَ الثواني السبعِ الأولَى، ويظلُّ هذا الانطباعُ مؤثرًا في تقييمِهِ لهُ لاحقًا، حتَّى وإنْ تغيَّرَتِ المعطياتُ.

وقد تبنَّتْ شركاتُ العلاقاتِ العامَّةِ هذا الشعارَ “You never get a second chance to make a first impression.” أي “لنْ تحصلَ أبدًا على فرصةٍ ثانيةً لصنعِ انطباعٍ أولٍ”

وإنها لحقيقةٌ أنَّ الناسَ قد تنفرُ منْ صورةٍ مهملةٍ، قبلَ أنْ يمنحوا صاحبَهَا فرصةً للحديثِ، بينمَا المظهرُ المهندمُ يُمَهِّدُ الطريقَ أمامَ المحامي، ليفتحَ أبوابَ العقولَ بعد أنْ تنفتحَ أبوابَ القلوبِ؛ فإنَّ المحامي الذي يُهْمِلُ مظهرَهُ يُعرِّضُ رسالتَهُ لعدمِ المبالاةِ، مهمَا بلغَ علمُهُ أو سَمَتْ حُجَّتَهُ.

والواقعُ أنَّ احترامَ المظهرِ يعكسُ احترامًا للمهنةِ ذاتِهَا، تلكَ التي محمَّلٌ على عاتِقِهَا شرفُ الدفاعِ عن الحقوقِ وصونِ الحريَّاتِ.

المحاماة بين الوقار والسلوك

وقد أخطأَ من ظنَّ أنَّ المظهرَ وحدَهُ فيما يرتديهِ الإنسانُ فقط، فإنَّ المظهرَ يمتَدُ إلى السلوكِ والسمتِ. وما عُرفَ المظهرُ بهذا اللفظِ إلا لشمولِهِ كلَّ ما يظهرُ على الأشياءِ أو منها، فكلُّ ظاهرٍ من شكلٍ او سلوكٍ هو مظهرُ، والجوهرُ لفظٌ يعبِّرُ عن كلِّ مكنونٍ، كالعلمِ والمعرفةِ والمشاعرِ والأفكارِ، وهناكَ جوهرٌ ثابتٌ، وكذلك من الجوهرِ ما هو متغيِّرٌ.

فطريقةُ حديثِ المحامي، أسلوبُهُ في المخاطبةِ، نبرةُ صوتِهِ، وضبطُ انفعالاتِهِ، كلُّهَا جزءٌ منَ المظهرِ العامِّ؛ واعلمْ -كرَّمَكَ اللهُ- أن الوقارَ لا يُشترَى ولا يُكتسبُ منْ خارِجِ الذاتِ، بل ينبعُ منَ الداخلِ، منَ اقتناعِ المحامي بأنَّهُ صاحبُ رسالةٍ قبلَ أن يكونَ صاحبَ قضيةٍ.

إنَّ المحامي الحقَّ هو الذي يُمسكُ بزمامِ نفسِهِ فلا ينزلقُ إلى لغوٍ أو جدلٍ غيرَ محمودٍ، ولا يسمحُ لمشاعِرِهِ أنْ تسيطرَ على منطقِهِ؛ وعلى المحامي أنْ يعلمَ أنَّ الوقارَ في السلوكِ هو الوجهُ الآخرَ للمظهرِ، وهما معًا يصنعانِ الهيبةِ التي تليقُ برجلِ العدلِ.

التلازم بين المظهر والجوهر

ومن الجديرِ بالذكرِ قبلَ الختامِ أن نبيِّنَ أنَّ المظهرَ والجوهرَ في المحاماةِ توأمانِ لا ينفصلانِ، يكملُ أحدُهُمَا الآخرَ؛ فالجوهرُ يُعطي القيمةَ، والمظهرُ يُمهِّد لها السبيلَ. الجوهرُ يهبُ المحامي العلمَ والفكرَ والحجَّةَ، والمظهرُ يمنحُهُ الاحترامَ والمهابَةَ؛ فإذا اجتمعَ الاثنانِ اكتملتْ للمحامي أدواتُهُ، وارتقى برسالتِهِ، وأدَّى الأمانةَ التي أقسمَ أنْ يحملَهَا.

أما إذا تخلَّفَ أحدُهُمَا، فصارا منفصلين أو متضادينِ، فإنَّ صورةَ المحامي تهتزُ اهتزازًا كزلزالٍ لا يقيمُ لهُ وزنًا بينَ جماعاتِ الناسِ وأمامَ آحادِهمْ؛ فالعلمُ بلا وقارٍ قد يُلقى في آذانٍ أصمَّها أصحابُهَا عمدًا، والوقارُ بلا علمٍ لا يُغني عن ضعفِ الحجةِ ولا عن فراغِ العقلِ.

ومن هُنا، فإن على المحامي أن يوازنَ دائمًا بين العنايةِ بجوهرِهِ ومظهرِهِ معًا، فيُغذِّي العقلَ بالمعرفةِ، ويُهذّبَ النفسَ بالأخلاقِ، ويهتمَّ بمظهرِهِ بما يليقُ بالمهنةِ ورسالتِهَا.

وختامًا

ن قولُ إنَّ المحاماةَ ليستْ أزياءً تُرتدى ثم تُخلعُ، وليستْ كلماتٍ تُقالُ ثم تُنسى، وإنَّمَا هي عهدٌ معَ الضميرِ، وعقدٌ مع العدالةِ؛ والمظهرُ فيها ليسَ ترفًا شكليًّا، وإنَّمَا هو جزءٌ لا يتجزأُ من الرسالةِ، ووسيلةٌ من وسائلِ صونِ مكانتِهَا؛ فإذا جمعَ المحامي بينَ عمقِ الجوهرِ وسموِّ المظهرِ، كان رسولَ عدلٍ بحقٍ، وصوتَ حقٍ لا يعلوهُ صوتٌ.

Related Posts

حقُّ المحامي في قبولِ التوكيلاتِ

إنَّ حقَّ المحامي في قبولِ التوكيلاتِ لهو حقٌّ مطلقٌ دونَ معقبٍ على المحامي، ولا يخضعُ لأي رقابةٍ، ولا يشكلُّ أيَّ مسؤوليةٍ على المحامي في قبولِهِ أو في رفضِهِ، وإن لم يكنْ من أولِ الحقوقِ المنصوصِ عليها في قانونِ المحاماةِ، إلَّا أنَّهُ الأجدرُ بالسبقِ في الترتيبِ لكونِهِ الترتيبَ المنطقيَّ.

زميلي المحامي الجديد جدًا – اللغة تاج الدفاع

مقال بقلم الأستاذ محمود سلامة يسلط الضوء على أهمية اللغة العربية في مهنة المحاماة، ويؤكد أن الفصحى هي سلاح المحامي الأول وهيبته.

You Missed

ارتفاع سعر الدولار في مصر قراءة في إدارة خروج الاستثمارات قصيرة الأجل

  • من MAHMOUD
  • مارس 6, 2026
  • 67 views
ارتفاع سعر الدولار في مصر قراءة في إدارة خروج الاستثمارات قصيرة الأجل

حقُّ المحامي في قبولِ التوكيلاتِ

  • من MAHMOUD
  • فبراير 4, 2026
  • 316 views
حقُّ المحامي في قبولِ التوكيلاتِ

أزمة الكفاءة القانونية في الأجهزة الحكومية: لماذا تتزايد الأحكام القضائية ضد الدولة؟

  • من MAHMOUD
  • يناير 7, 2026
  • 328 views
أزمة الكفاءة القانونية في الأجهزة الحكومية: لماذا تتزايد الأحكام القضائية ضد الدولة؟

الحماية الجنائية للشيكات البريدية

  • من MAHMOUD
  • ديسمبر 30, 2025
  • 2005 views
الحماية الجنائية للشيكات البريدية

زميلي المحامي الجديد جدًا – اللغة تاج الدفاع

  • من MAHMOUD
  • أكتوبر 24, 2025
  • 887 views
زميلي المحامي الجديد جدًا – اللغة تاج الدفاع

المحاماة مظهرًا وجوهرًا

  • من MAHMOUD
  • أكتوبر 23, 2025
  • 1264 views
المحاماة مظهرًا وجوهرًا