
جريمة الإتجار بالبشر في ظل القانون رقم 64 لسنة 2010
كتبه: محمود سلامة المحامي بالنقض
صاحب ومدير شركة سلامة للمحاماة والقانون
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد عبد الله ورسوله؛ أما بعد..
فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)) الإسراء (70)
وهديًا بما سبق من كلام ربنا سبحانه وتعالى، فإنّ الإنسان هو الغاية المنشودة والهدف المرموق في ابتعاث الرسل، وانتقاء الأنبياء، وإنزال الكتب والصحف.
فإن الله سبحانه، الذي اصطفى آدم خليفة في الأرض، برحمته وحكمته، قضى لم يخلقِ الإنسانَ عبثًا، ولا يتركه سبحانه وتعالى سدى؛ بل تكفّل برعايته وهدايته، وأخذ بيده نحو السبيل الأقسط والمنهج الأعدل؛ فأوحى إليه من عليائه سبحانه، مذ وطئت قدماه الأرض، أنه لن يتركه فريسة سهلة لوساوس الشيطان، ولا نهبًا للوهم والتخبّط والضلال والشهوات، فلم يُسلمه للجهالة والحيْرة والتيه، بل أنعم عليه بالنور المبين، والهداية المستقيمة، لتكون حياته مرآةً لرحمته وعدله، ودربًا إلى السعادة والرشاد.
ولقد كرّس المشرع المصري حماية كرامة الإنسان وصون حريته باعتبارها حقًا أصيلًا لا يجوز المساس به تحت أي ظرف أو مبرر. ومن هذا المنطلق، جرم القانون كافة أشكال الاتجار بالبشر، واعتبرها من الجرائم البالغة الخطورة التي تنال من الأسس الأخلاقية والقانونية التي يقوم عليها المجتمع.
فوفقًا لأحكام القانون رقم 64 لسنة 2010 بشأن مكافحة الاتجار بالبشر، تُعرَّف هذه الجريمة بأنها “كل تعامل في شخص طبيعي، بيعًا أو عرضًا للبيع، أو نقله أو تسليمه أو استلامه أو إيوائه أو استقباله أو استخدامه، وذلك باستخدام القوة أو العنف أو التهديد بهما، أو الاختطاف أو التحايل أو الخداع، أو استغلال حالة الضعف، أو الحاجة، أو استغلال السلطة، أو استغلال الوظيفة.”
ويكون الغرض من هذه الأفعال هو الاستغلال، الذي يتخذ صورًا متعددة، منها:
- الاستغلال الجنسي: كتشغيل المستغل في الدعارة أو تصوير المواد الإباحية، واستغلال الأطفال في ذلك.
- العمل القسري: كالسخرة (الخدمة بالإكراه دون مقابل) وهي التي كانت تعرف سابقًا بالاستعباد.
- التسول المنظم: خاصة عندما يكون الضحية من الفئات الضعيفة، كالأطفال.
- استئصال الأعضاء أو الأنسجة البشرية، أو جزء منها، سواء للاتجار بها أو لأي غرض غير مشروع آخر.
الركن المادي والمعنوي للجريمة
ويتحقق الركن المادي في هذه الجريمة بقيام الجاني بارتكاب أي فعل من الأفعال المذكورة أعلاه، بغرض استغلال المجني عليه؛ حيث يتحقق الركن المادي لجريمة الاتجار بالبشر بارتكاب الجاني أي فعل يندرج ضمن الأفعال التي نص عليها القانون، مثل النقل، أو الإيواء، أو التجنيد، أو التسليم، أو الاستقبال، على أن يكون الهدف من هذا الفعل هو استغلال المجني عليه.
ويُعد هذا الركن مكونًا جوهريًا للجريمة، حيث لا تتحقق الجريمة إلا بوجود فعل مادي يترتب عليه الإضرار بالإنسان واستغلاله بشكل يخالف القانون.
الركن المعنوي لجريمة الاتجار بالبشر يتمثل في القصد الجنائي، حيث يجب أن يكون لدى الجاني نية واضحة ومُدركة للإضرار بالمجني عليه واستغلاله لأغراض غير مشروعة. ويشمل ذلك ركني العلم (أي العلم التام بطبيعة الفعل غير القانوني الذي يرتكبه) والإرادة (أي إرادة تحقيق النتيجة الإجرامية المتمثلة في الاستغلال، سواء كان استغلالًا جسديًا أو جنسيًا أو اقتصاديًا أو غيره.)
هل يُعتد برضاء المجني عليه في جرائم الاتجار بالبشر؟
من المبادئ القانونية الراسخة التي أكد عليها التشريع المصري في مواجهة جرائم الاتجار بالبشر أن رضاء المجني عليه، سواء كان صريحًا أم ضمنيًا، لا يُعتد به، ولا يُعفي الجاني من المسؤولية الجنائية.
ويرجع هذا إلى أن القانون يفترض أن إرادة المجني عليه قد تعرضت للإفساد أو التأثير بفعل الضغوط الممارسة عليه، سواء كانت بالقوة القسرية، أو التهديد، أو الإغراء، أو الخداع، أو استغلال ضعفه.
وهذا الافتراض يهدف إلى حماية المجني عليه من أي استغلال لوضعه النفسي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، الذي قد يدفعه إلى الموافقة على ما يخالف مصلحته، أو ينتقص من كرامته الإنسانية.
وبالتالي، فإن أي ادعاء من الجاني بأن المجني عليه قد وافق على الاستغلال، يُعد غير ذي أثر قانوني، ولا يُعتد به كدفاع لإسقاط المسؤولية الجنائية.
ما هي العقوبات المقررة لجريمة الإتجار بالبشر؟
تشدد المشرع في العقوبة المقررة لهذه الجريمة، نظرًا لخطورتها الجسيمة على الفرد والمجتمع.
فقد نصت المادة (6) من القانون 64 لسنة 2010، على معاقبة مرتكب الجريمة بـالسجن المشدد، بالإضافة إلى غرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه، ولا تزيد عن مائتي ألف جنيه، أو غرامة مساوية لقيمة ما عاد عليه من نفع، أيهما أكبر.
إلا أن العقوبة قد تصل إلى السجن المؤبد في حالات تعتبر ظروفًا مشددة، وهي:
- إذا قام الجاني بتأسيس أو إدارة جماعة إجرامية منظمة لأغراض الاتجار بالبشر.
- إذا ارتكب الجريمة باستخدام التهديد بالقتل أو الأذى الجسيم، أو باستخدام التعذيب البدني أو النفسي.
- إذا كان الجاني يحمل صفة معينة، مثل أن يكون زوجًا للمجني عليه، أو أحد أصوله، أو من له سلطة أو وصاية عليه.
- إذا كان الجاني موظفًا عامًا واستغل وظيفته لارتكاب الجريمة.
- إذا نتج عن الجريمة وفاة المجني عليه، أو إصابته بعاهة مستديمة، أو بمرض لا يرجى الشفاء منه.
- إذا كان المجني عليه طفلًا، أو من عديمي الأهلية، أو من ذوي الإعاقة.
- إذا كان ارتكاب الجريمة بواسطة جماعة إجرامية منظمة.
وهكذا، فإن جريمة الاتجار بالبشر تُعد من أعظم الآثام وأشدها جرمًا على الإنسانية جمعاء، فهي انتهاك صارخ للكرامة التي أودعها الله في بني آدم، وعدوان بغيض على الحقوق التي كفلها الله لعباده. وقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحرّم كل ما فيه ظلمٌ أو قهرٌ أو استغلال، كما جاءت القوانين الوضعية، ومنها القانون المصري، لتجعل من هذه الجريمة فعلًا بالغ الخطورة، يُواجه بأشد العقوبات التي تضمن ردع الجناة وحماية المجتمع من أفعالهم الآثمة.
إنّ المشرّع المصري، بما نص عليه في القانون رقم 64 لسنة 2010، لم يكتفِ بوصف هذه الجريمة كعدوان على حقوق الأفراد، بل اعتبرها تهديدًا للأمن المجتمعي والنظام العام، وفرض عقوبات رادعة تصل إلى السجن المؤبد في الحالات المشددة. وهذا التشدّد القانوني يُظهر بجلاء اهتمام التشريعات الحديثة بحماية الكرامة الإنسانية، وتجريم كل صور الاستغلال، سواء كانت جنسية، أو اقتصادية، أو غيرها.
فالواجب على كل صاحب سلطة أو ولاية، سواء كان في موقع التشريع أو التنفيذ، أن يساهم في التصدي لهذه الجريمة، وأن يسعى إلى تعزيز القوانين وتطبيقها بكل حزم، حمايةً للأبرياء، وصيانةً للحقوق، وإعلاءً لقيمة العدل والرحمة، حتى تُصان النفوس، وتُحفظ الكرامات، ويعيش الناس في ظلال القانون والعدل الذي ارتضاه الله لعباده.