التحكيم في عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية (B.O.T) في ضوء الفقه والقضاء

التحكيم في عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية (B.O.T)

كتبه: د. محمود سلامة
المحامي بالنقض والإدارية العليا، مدير عام شركة سلامة للمحاماة والقانون.

تُعد عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية (B.O.T) واحدة من أكثر النماذج القانونية إثارةً للاهتمام في العصر الحديث، حيث تجمع بين القطاعين العام والخاص لتنفيذ مشروعات حيوية تتطلب تمويلًا وخبرات ضخمة قد لا تتوفر للقطاع العام، وقد تتطلب أكثر من شركة قطاع خاص للقيام بها مجتمعةً في نظام واحد يطلق عليه الكونسورتيوم.

وتنطوي هذه العقود على تعاقد جهة إدارية مع مستثمر خاص، لتصميم، وتنفيذ، وتشغيل مشروع معين لفترة زمنية محددة، ثم نقل ملكيته إلى الدولة بعد انتهاء العقد.

ومع تزايد استخدام هذا النظام في مشاريع البنية التحتية، برزت تحديات قانونية عدة، لا سيما فيما يتعلق بتكييف هذه العقود والطريقة المثلى لتسوية النزاعات الناشئة عنها.

وجديرٌ بنا الإشارة إلى الطبيعة القانونية لعقود B.O.T التي أثارت جدلًا واسعًا بين الفقهاء والمشرعين؛ حيثُ تُعتبر هذه العقود امتدادًا لعقود الامتياز التقليدية، لكنها تكتسب خصوصية كبيرة، نظرًا لتعقيداتها القانونية والاقتصادية.

ويُرجع الفقه هذا التعقيد إلى غياب تنظيم تشريعي شامل، مما أدى إلى انقسام الآراء، بين من يرى أنها عقود إدارية، ومن يخالف هذا الرأي، ويرى أنها عقود ذات طبيعة خاصة تختلف باختلاف المشروع، بينما يعتبرها البعض عقود قانون خاص.

وإن النقاش حول هذه العقود يُبرز قضية جوهرية، تتعلق بمدى وجود عناصر استثنائية تُميز عقود B.O.T عن العقود الأخرى، كإشراف الجهة الإدارية على التنفيذ ومشاركتها في الرقابة الفنية والمالية.

ولمواكبة التطورات الاقتصادية الدولية، فقد أصدر المشرع المصري أربعة قوانين، لتنظيم منح التزامات المرافق العامة بنظام B.O.T لعدم ملائمة القانون ١٢٩ لسنة ١٩١٧ والمعدل بالقانون رقم ٦١ لسنة ١٩٥٨ للتطورات الاقتصادية، فأصدرت

  • القانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٩٦ بتعديل القانون ٢ لسنة ١٩٧٦ الخاص بإنشاء هيئة كهرباء مصر.
  • القانون ٢٢٩ لسنة ١٩٩٦ الخاص بالطرق.
  • القانون رقم ٢٢ لسنة ١٩٩٨ بتعديل القانون السنة 1997 بشأن الموانئ المتخصصة.
  • القانون رقم ٣ لسنة ١٩٩٧ فى شأن منح التزام المرافق العامة لإنشاء وإدارة واستغلال المطارات.

والتي بدورها وضعت ضوابط تتعلق باختيار الملتزم في إطار المنافسة والعلانية، وبألا تزيد مدة الالتزام عن تسعة وتسعين عامًا، وبوسائل الإشراف والرقابة والمتابعة الفنية والمالية من جانب الدولة التى تضمن حسن سير المرفق بانتظام واضطراد. ولم تمتد إلى باقي الالتزامات، مما يعني الرجوع لتشريعات أخرى كالقانون المدني أو القانون التجاري أو العقود النموذجية.

وعلى الجانب الدولي فقد قامت العديد من دول العالم بسن تشريعات لتنظيم عقود B.O.T، کفرنسا والصين والفلبين وتركيا. وقد أصدرت لجنة القانون التجاري الدولي التابعة للأمم المتحدة العديد من الأعمال القانونية والتوصيات والإرشادات التي تنظم عقود  B.O.T، ومن أبرزها دليل اليونيسترال التشريعي بشأن مشاريع البنية التحتية الممولة من القطاع الخاص عام 2001، ولكن لم يصدر عن اللجنة حتى الآن قانون نموذجي بشأن ذلك.

وقد أدى القضاء دورًا بارزًا في تحديد الطبيعة القانونية لعقود B.O.T. ففي فرنسا، يعتمد القضاء على معيارين أساسيين؛ هما اتصال العقد بمرفق عام ووجود شروط غير مألوفة.

أما في مصر، فيُضاف إلى هذين المعيارين شرط ثالث يتمثل في أن تكون جهة الإدارة طرفًا في العقد.

وهذا الاختلاف في المعايير أدى إلى تباين كبير في تحديد ما إذا كانت عقود B.O.T عقودًا إدارية أو عقود قانون خاص، مما أثر على كيفية التعامل مع النزاعات الناشئة عنها.

التحكيم كآلية لتسوية منازعات عقود B.O.T

وبالحديث عن المنازعات، فإن التحكيم كآلية لتسوية منازعات عقود B.O.T قد أثار جدلًا مشابهًا، حيث يُعد التحكيم وسيلة مفضلة لحسم الخلافات في المشاريع الدولية، لما يتميز به من سرعة ومرونة مقارنة بالقضاء التقليدي. ورغم ذلك، يثير التحكيم في العقود الإدارية تساؤلات حول مدى تأثيره على سيادة الدولة، خاصة إذا كان القانون المطبق أو المحكمين من جنسيات أجنبية.

فمن المؤكد أن الدولة وأشخاصها المعنوية لا تتصرف في مجال اتفاقيات التحكيم بحرية الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين من أشخاص القانون الخاص، ولكن حريتها في إبرام اتفاقيات التحكيم مقيدة ومحدودة في ضوء الإطار والسلطات التي حددها لها القانون. إلا أن التشريعات المنظمة لعقود B.O.T وتسوية المنازعات الناشئة عنها غائبة، ولذا قد لعبت الاتفاقيات الدولية دورًا هامًّا في منح أشخاص القانون العام الحق في اللجوء للتحكيم، حيث وقعت مصر وفرنسا على العديد من الاتفاقيات في هذا الصدد، كاتفاقيات نيوورك 1955، جينيف (1971) واشنطن ١٩٦٥، والتي مفادها أن أسلوب التحكيم في فض منازعات الاستثمار الدولية معترف به، ولكن ذلك لا يزال يحتاج لنصوص تشريعية طبقًا للنظام الداخلي لكل دولة تجيز التحكيم في المنازعات الخاصة بعقودها الإدارية.

وقد أصدرت الدول بالفعل عدة قوانين تجيز التحكيم في العقود الإدارية، كالقانون الفرنسي رقم ١٩ لسنة ١٩٨٦، بجواز التحكيم في عقود الإدارة الدولية، بموجب المادة التاسعة منه، والتى اشترطت أن يكون التعاقد مع شركة أجنبية وأن يكون موضوع التعاقد عمليات تتعلق بالمصلحة العامة.

كما أصدرت مصر قانون التحكيم رقم ٢٧ لسنة ١٩٩٤، والذي نص في مادته الأولى على سريان أحكامه على كل تحكيم بين أطراف من أشخاص القانون العام أو القانون الخاص، أيًّا كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع، سيان جرى التحكيم بمصر أو خارجها بتحكيم اتفق أطرافه على إخضاعه لهذا القانون.

ثم عدلت هذا القانون بالقانون رقم 9 لسنة ١٩٩٧ على أثر فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة، والتي قررت عدم خضوع العقود الإدارية لقواعد التحكيم، فتدخلت السلطة التشريعية بهذا التعديل، لتخضع العقود الإدارية للتحكيم، بشرط موافقة الوزير المختص أو من يتولى اختصاصه بالنسبة للأشخاص الاعتبارية العامة.

وما يميز هذا القانون شموله جميع منازعات العقود الإدارية بمرحلة الإبرام، أو مرحلة التنفيذ، وما ترتبه من آثار.

ويرى بعض الفقه أن القانون بذلك أصبح يضع العقود الإدارية الدولية ومنازعاتها بين يدي محكمين أجانب، يطبقون قانونًا أجنبيًّا، بما يعد أمرًا خطرًا لتعلق العقود باستغلال الثروات الطبيعية التي تنصرف أثارها لأجيال مقبلة، أو تمس الأمن القومي؛ ولذلك يوصون بعدم الإسراف في اللجوء للتحكيم.

والآراء الفقهية بشأن التحكيم في عقود B.O.T كانت متباينة أيضًا. حيث رأى بعض الفقه أن التحكيم يُضعف سيادة الدولة لأنه يطبق قوانين أجنبية يستبعد بها القضاء الوطني، بينما اعتبر آخرون أن التحكيم يوفر ضمانات مكافئة للقضاء الرسمي، خاصة مع تطور منظومات التحكيم الدولية التي تحكمها مبادئ العدالة والنزاهة.

وجدير بالذكر في هذا الموضع أن القضاء المصري بدوره شهد تحولًا في موقفه، إذ كان يرفض التحكيم في العقود الإدارية قبل تعديل قانون التحكيم في 1997، ثم أقرَّ به ضمن شروط وضمانات محددة.

وبناءً على ما سبق، فإنه يمكن القول إن عقود B.O.T تُعتبر نموذجًا قانونيًا معقدًا يتطلب توازنًا دقيقًا بين تشجيع الاستثمار الأجنبي وحماية المصالح الوطنية، وإنه لتحقيق هذا التوازن فمن الضروري إصدار تشريع شامل ومنظّم يُغطي كافة أوجه هذه العقود، ويُحدد ضوابط واضحة للتحكيم فيها، بما يضمن حماية موارد الدولة وسيادتها مع تعزيز الثقة لدى المستثمرين.

كما يجب على الدولة أن تكون حذرة في اختيار المحكمين وشروط التحكيم لضمان تحقيق العدالة وتجنب القرارات التي قد تؤثر سلبًا على الأجيال القادمة.

 

Related Posts

جريمة الإتجار بالبشر في ظل القانون رقم 64 لسنة 2010

الإتجار بالبشر في ظل القانون 64 لسنة 2010يتناول المقال الأبعاد القانونية والفقهية لجريمة الاتجار بالبشر، موضحًا صورها المختلفة وعقوباتها وفق القانون المصري رقم 64 لسنة 2010. كما يناقش عدم الاعتداد برضاء المجني عليه، وأهمية مكافحة هذه الجريمة لحماية الكرامة الإنسانية.

شركات المساهمة المبسطة وفقًا لنظام الشركات السعودي

تعرّف على شركة المساهمة المبسطة في نظام الشركات السعودي لعام 1443هـ/2022م، والذي يمنح الشركات مرونة إدارية وتنظيمية غير مسبوقة. شركات المساهمة المبسطة تمثل الخيار المثالي لرواد الأعمال والشركات الناشئة والعائلية، حيث تُسهّل الإجراءات وتلغي التعقيدات التقليدية مع توفير حماية قانونية متكاملة. اقرأ المقال للتعرف على أبرز المزايا، تأثيرها على بيئة الأعمال، والآفاق المستقبلية لهذا النوع من الشركات.

You Missed

يوم التأسيس السعودي: البعد التاريخي، الأثر الاقتصادي، والانعكاسات الاستراتيجية

  • من MAHMOUD
  • فبراير 20, 2025
  • 55 views
يوم التأسيس السعودي: البعد التاريخي، الأثر الاقتصادي، والانعكاسات الاستراتيجية

محاميات مصر (1) مفيدة عبد الرحمن: رائدة المحاماة المصرية وأيقونة النضال النسائي

  • من MAHMOUD
  • فبراير 11, 2025
  • 39 views
محاميات مصر (1) مفيدة عبد الرحمن: رائدة المحاماة المصرية وأيقونة النضال النسائي
المحاكم الاقتصادية في مصر: النشأة والاختصاص

جريمة الإتجار بالبشر في ظل القانون رقم 64 لسنة 2010

  • من MAHMOUD
  • فبراير 4, 2025
  • 37 views
جريمة الإتجار بالبشر في ظل القانون رقم 64 لسنة 2010
شركات المساهمة المبسطة وفقًا لنظام الشركات السعودي

إجراءات إنهاء العلاقة التعاقدية دون عقد موثق للعاملين بالمملكة العربية السعودية

  • من MAHMOUD
  • فبراير 1, 2025
  • 51 views
إجراءات إنهاء العلاقة التعاقدية دون عقد موثق  للعاملين بالمملكة العربية السعودية