العمليات المصرفية باعتبارها عملات إلكترونية: منظور فلسفي اقتصادي

وما علاقة الفلسفة بالاقتصاد؟

وهذا سؤال متوقع من العوام، حيث لا يهتم عوام الناس لا بالفلسفة ولا بالاقتصاد، ولكن الخاصة من رجال القانون والاقتصاد يعلمون أن عالم النقود والبنوك وعالم المال والأعمال لا يخلوان من المعنى، وطالما لم يخلوا من معنى فلم يخلوا من فلسفة.

والمصطلحات إنما هي قواعد ترتكز عليها المعاني، بل وليست هي المقصودة بالمعنى، حيث ينقسم المراد إلى (معنى – قصد – دلالة) ولكل واحد من الثلاثة كيانه وبناؤه المختلف عن الآخرين.

ولما كان الأمر لا يخلو من فلسفة؛ فقد آثرت ألا أصف أفكاري بعقلي حتى تتعاظم فوق بعضها البعض، فيتحول العقل إلى حمارٍ يحمل أسفارًا من الأفكار لا يقدر على حملها، ولا يراها ليراجعها. فأحببت أن أدون ما دار برأسي من الفلسفة المصرفية المالية، لعلها تكون نواة بحث تجمع بين فلسفة القانون والاقتصاد وبين فلسفة اللغة من حيث الدلالة.

فبالنظر إلى العمليات المصرفية وجدتها تتخذ بُعدًا جديدًا عندما ينظر إليها من زاوية العملات الإلكترونية، ولا يزال هذ البعد يتطور تطورًا متسارعًا حتى أن ما يفترضه المرؤ من خيال حول مستقبل هذا التطور يراه نتيجةً طبيعيةً بحيث يبحث عن أفق اعلى من الخيال لتكون له نظرة أبعد من نظرة غيره، ولكن هيهات، سيظل التطور يحصل ويتقلب ويتعاظم، ولكنه مع تسارعه يقترب من نهايته، فبات انهيار سوق الصرف في يومٍ ما ليس خيالًا وإنما نتيجة طبيعية، حيث إن كل ما يتجه لأعلى فإنه يتجه لأسفل في زمن آخر يبدأ في نقطة نهاية الاتجاه لأعلى، حيث إن لكل ارتفاع أفق حتمًا سينتهي عنده وتنتهي قدرته لديه على الصعود، وحيث إن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار، ومضاد له في الاتجاه، فإنه لابد من ارتداد كل كرة اصطدمت بجسمٍ، وكذلك لكل حالٍ يصطدم بنهايته فيؤول لخلاف طبيعته، فكل ما يعلو، يهبط.

والعمليات المصرفية تعبر بطبيعة الحال عن حركة ديناميكية متمثلة في انتقال قيم مالية من وعاء لوعاء، وهذه الحركة الديناميكية هي القلب النابض للعمل المصرفي، والتي تولد أرباحًا تعبر عن قيمة هذه الحركة في سوق المدفوعات والاستثمار المصرفي.

ومثال على ذلك، فالسحب من ماكينة الصراف الآلي أو إجراء تحويل بنكي ليس مجرد إجراء روتيني ضمن المعاملات المصرفية اليومية، بل يمكن اعتباره عملية اقتصادية تنطوي على تبادل للعملات، عملة رقمية مقابل عملة إلكترونية.

فعندما يقوم صاحب الحساب أو المحفظة الإلكترونية أو صاحب الحق في القيمة المالية الإلكترونية، بسحب مبلغ مالي، على سبيل المثال 2500 جنيه مصري، من ماكينة الصراف الآلي، فإن هذه العملية يمكن تفسيرها على أنها شراء للعملة النقدية (الجنيهات الورقية) باستخدام ما يعادل قيمتها من العملة الإلكترونية.

هذه العملة الإلكترونية هي وحدة رقمية تعادل قيمة محددة من الوحدة النقدية المتداولة. وبمعنى آخر، العملية تُحوِّل القيمة الإلكترونية المحفوظة في الحساب البنكي إلى نقود مادية متاحة للاستخدام الفوري.

 

العملة الإلكترونية كوحدة اقتصادية

 

العملة الإلكترونية ليست شيئًا ملموسًا أو محددًا مثل العملات الرقمية المشفرة (كالبيتكوين)، لكنها تمثل وحدة اقتصادية قائمة بذاتها تُنشأ لحظيًا بناءً على طلب مالكها، والمعبر عنه (بالساحب).

هذه الوحدة تظل غير مسماة إلا برقمها التسلسلي أو الرقم المشفر باعتبارها كودًا إلكترونيًا في سلسلة من الانتقالات القيمية، وتنشأ قيمتها في لحظة إصدار الأمر المصرفي، سواء كان سحبًا نقديًا أو تحويلًا إلكترونيًا.

 

من هنا، يمكن فهم الرسوم المصرفية المفروضة على العمليات المختلفة كنوع من فرق السعر بين العملة الإلكترونية والعملة النقدية من الممكن التعبير عنها كرسوم خدمة (عملية مصرفية) وليس خدمة دين كما هو الحال في السحب والتحويل من البطاقات الائتمانية؛ حيث تمثل هامش الربح الناتج عن تقديم خدمات تحويل أو سحب الأموال.

 

البُعد الاقتصادي للمعاملات الإلكترونية

وجدير بالذكر إن العمليات المصرفية الإلكترونية تحمل في طياتها أبعادًا اقتصادية عميقة. فهي ليست مجرد وسيلة لتسهيل الوصول إلى الأموال، بل تشكل نظامًا ديناميكيًا لتداول القيم.

في هذا النظام، تُستخدم العملات الإلكترونية كوسيط فوري للتبادل، ويمكن تشبيهها بالشبَح الاقتصادي الذي يتشكل في لحظة الحاجة ويختفي بمجرد اكتمال العملية مندمجًا في عملة إلكترونية أكبر، وهي التي يطلق عليها الحسابات المصرفية باعتبارها عملة قابلة للاندماج والانشطار القيمي من حيث إن قيمتها متغيرة وباعتبارها مخزنًا للقيمة.

فلا تعتبر العمليات المصرفية الجارية على هذه العملة/الحساب المصرفي جزءًا من كل، بل تعتبر كل عملية بمثابة تحول إلكتروني فريد، مسمى برقمه، موظفًا كناقل للقيمة.

ولذلك كانت الحسابات المصرفية -باعتبارها قيمًا إلكترونية- مخازن للقيمة، بينما العمليات المصرفية هي عملات إلكترونية ناقلة للقيمة المخزونة، أو ما أود أن أدعوه بـ (العملة الوسيطة).

وفضلًا عن كون العمليات المصرفية الائتمانية ناقلات للقيم الافتراضية، فكل سحب نقدي من ماكينات الصرافة عبر كروت الائتمان، يعبر عن رصيد سالب لصاحبها، بما يعني أن السحب الآلي النقدي عبر بطاقات الائتمان هو نقل لقيمة الدين الفعلية مدفوع الثمن من الساحب بفرض فوائد الدين عليه، أو خدمته.

وأخيرًا، فإن الهدف من هذا المقال إنما هو محاولة للقول بأن فهم العمليات المصرفية من المنظور الفلسفي يُبرز طبيعتها الاقتصادية، ويُظهر الدور الذي تلعبه في إدارة التدفقات النقدية وضمان كفاءة النظام المالي.

وذلك يضمن فهمًا أعمق للعمليات المصرفية بما يضمن حسن استغلالها اقتصاديًا باعتبارها مجال ربحي قد يتفرع عن أعمال البنوك إلى ما عداها، وما يؤكد ذلك أن فهمًا عميقًا للعمليات المصرفية وحركة الأموال الديناميكية قد أنشا نظام المحافظ الإلكترونية عبر شبكات إلكترونية مملوكة لشركات الاتصال وشركات التقنيات المصرفية بحيث لعبت دورَ الوسيط الاعتباري بالتعاون مع المصارف المختلفة لتحقق ربحًا عن طريق نقل القيم المالية ليس عبر وسائل الاتصال، بل عبر مالكي هذه الوسائل والتكنولوجيا من مزودي خدمات الاتصال، حيث إن وسيلة المحفظة الإلكترونية كانت نتاجًا طبيعيًا لقناصة الفرص من المستثمرين في مجال الاتصالات، الذين يرون كم استخدام البيانات في نقل الأموال، ففرضت شركات الاتصال بالتعاون مع البنوك نفسها على سوق تحويل الأموال والتسييل النقدي.

وبالنظر إلى التطور المستمر في تقنيات البنوك والخدمات المالية، تظل العملات الإلكترونية محورًا أساسيًا في دراسة الاقتصاد النقدي الحديث، وهو التطور الذي معه يجب أن يستمر التفكير والتحليل والاستقصاء؛ إلا إن العجز كل العجز في فكرٍ أو تحليلٍ أو استقصاء لا يرى دورًا للفلسفة في فهم عالم الأعمال من فهم مكوناته وأدواته وبياناته فهمًا عميقًا، على النحو الذي يشكل الوعي، حيث إن الوعي يضمن نجاح المسعى، والواعي بفلسفة النقود والبنوك والفلسفة المالية عمومًا هو المؤهل لتحقيق الأرباح وتعظيم المنافع.

وإلى مقالٍ آخر إن شاء الله وقدر.

Related Posts

يوم التأسيس السعودي: البعد التاريخي، الأثر الاقتصادي، والانعكاسات الاستراتيجية

إن الاحتفال بيوم التأسيس السعودي هو فعل استراتيجي يحمل أبعادًا متعددة؛ حيث إن يوم التأسيس يُعد ركيزة تدعم تحقيق هذه الرؤية، عبر تعزيز التنوع الاقتصادي، وتكريس الهوية الثقافية، ورفع كفاءة الاقتصاد غير النفطي.
تعرف على يوم التأسيس السعودي من حيث بعده التاريخي، أثره الاقتصادي، والانعكاسات الاستراتيجية المترتبة عليه.

طرح المصرف المتحد في البورصة المصرية: خطوة جديدة نحو تعزيز دور القطاع الخاص

يستعد البنك المركزي المصري لطرح حصة من أسهم المصرف المتحد في البورصة خلال الربع الأول من 2025 ضمن برنامج الخصخصة الحكومي. اكتشف كيف يسهم هذا الطرح في تعزيز دور القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الاستراتيجية إلى القطاع المصرفي المصري

You Missed

يوم التأسيس السعودي: البعد التاريخي، الأثر الاقتصادي، والانعكاسات الاستراتيجية

  • من MAHMOUD
  • فبراير 20, 2025
  • 55 views
يوم التأسيس السعودي: البعد التاريخي، الأثر الاقتصادي، والانعكاسات الاستراتيجية

محاميات مصر (1) مفيدة عبد الرحمن: رائدة المحاماة المصرية وأيقونة النضال النسائي

  • من MAHMOUD
  • فبراير 11, 2025
  • 40 views
محاميات مصر (1) مفيدة عبد الرحمن: رائدة المحاماة المصرية وأيقونة النضال النسائي
المحاكم الاقتصادية في مصر: النشأة والاختصاص

جريمة الإتجار بالبشر في ظل القانون رقم 64 لسنة 2010

  • من MAHMOUD
  • فبراير 4, 2025
  • 37 views
جريمة الإتجار بالبشر في ظل القانون رقم 64 لسنة 2010
شركات المساهمة المبسطة وفقًا لنظام الشركات السعودي

إجراءات إنهاء العلاقة التعاقدية دون عقد موثق للعاملين بالمملكة العربية السعودية

  • من MAHMOUD
  • فبراير 1, 2025
  • 51 views
إجراءات إنهاء العلاقة التعاقدية دون عقد موثق  للعاملين بالمملكة العربية السعودية