المحاكم الاقتصادية في مصر: النشأة والاختصاص

المحاكم الاقتصادية في مصر: نشأتها، دورها، اختصاصها وأثرها في المنظومة العدلية

كتبه: محمود سلامة

المحامي بالنقض، صاحب ومدير شركة سلامة للمحاماة والقانون

 

 

لقد بات من بديهيات العدل الناجز، أن يكون للعدالة مسارٌ متخصص، تستجيب به المنظومة القضائية لمقتضيات الواقع المعاصر، وما يفرضه من إيقاع سريع لا يحتمل أعباء التقاضي التقليدي في المسائل ذات الطابع الاقتصادي.

ولئن كان القضاء المصري عريقًا، مستقر الدعائم، راسخ المبادئ، فإن الحاجة قد أوجبت استحداث جهة قضائية متخصصة، تكون أكثر قدرة على تحقيق العدالة الناجزة في المنازعات الاقتصادية.

ومن هنا كان ميلاد المحاكم الاقتصادية بموجب القانون رقم 120 لسنة 2008 الذي جاء استجابةً لمطالب الإصلاح التشريعي وتعزيز مناخ الاستثمار، بما يضمن سرعة الفصل في القضايا الاقتصادية وفق آليات متطورة. وقد تعزز هذا الإطار التشريعي بالتعديلات الواردة في القانون رقم 146 لسنة 2019، الذي وسّع من اختصاصات هذه المحاكم، وفتح المجال أمام التطوير التكنولوجي في إجراءات التقاضي.

نشأة المحاكم الاقتصادية وتطورها

لقد استلزم تطور المعاملات المالية والتجارية، وما أفرزه من مستجدات قانونية، أن تتخذ الدولة المصرية خطوة جادة نحو تخصيص جهة قضائية قادرة على الفصل في النزاعات ذات الطابع الاقتصادي، بعيدًا عن التعقيدات الإجرائية التي تشهدها المحاكم التقليدية.

ومن هنا، جاء إصدار القانون رقم 120 لسنة 2008، ليضع حجر الأساس لإنشاء المحاكم الاقتصادية، مع منحها اختصاصًا متفردًا في نظر المنازعات المالية والتجارية التي يتطلب الفصل فيها إلمامًا دقيقًا بالنظم الاقتصادية الحديثة. ولم تلبث هذه التجربة أن خضعت للتطوير، إذ جاء القانون رقم 146 لسنة 2019 ليعزز من صلاحيات المحاكم الاقتصادية، مستهدفًا التوسع في اختصاصاتها، وتيسير إجراءات التقاضي من خلال التقنيات الرقمية.

دور المحاكم الاقتصادية

إن الدور الذي تنهض به المحاكم الاقتصادية، لا ينحصر في كونها جهة قضائية تفصل في منازعات معينة، وإنما هي أحد أركان الاستقرار القانوني في الدولة، بما توفره من بيئة قانونية عادلة لمجتمع المال والأعمال.

ويبرز هذا الدور في عدة محاور أساسية، يأتي في مقدمتها تحقيق العدالة الناجزة، إذ تتمتع هذه المحاكم بآليات تضمن سرعة الفصل في القضايا الاقتصادية، بما يحفظ استقرار الأسواق ويوفر بيئة استثمارية آمنة، وهو ما أكد عليه القانون رقم 120 لسنة 2008</strong> في ديباجته التشريعية. ك

ذلك، فإن هذه المحاكم تعزز الثقة في المنظومة العدلية، حيث يطمئن المستثمرون وأصحاب الأعمال إلى وجود جهة متخصصة تفصل في النزاعات التجارية والمالية وفق أحدث النظم القانونية، الأمر الذي انعكس إيجابيًا على مؤشر جذب الاستثمارات الأجنبية.

ومن أبرز أدوارها تقليل العبء عن المحاكم العادية، إذ جاءت المحاكم الاقتصادية لتستقطب القضايا ذات الطابع المالي والتجاري، مما يخفف الضغط عن المحاكم التقليدية، ويسهم في تحقيق العدالة بشكل أكثر تخصصًا ودقة.

كما أن هذه المحاكم، بموجب التعديلات التشريعية الأخيرة، أصبحت رائدة في تطوير آليات التقاضي، إذ أتاحت رفع الدعاوى إلكترونيًا، وتقديم المستندات عبر الوسائل الرقمية، تنفيذًا لما جاء في القانون رقم 146 لسنة 2019 بشأن التوسع في استخدام التكنولوجيا في الإجراءات القضائية.

اختصاص المحاكم الاقتصادية

حدد المشرع، بموجب القانون رقم 120 لسنة 2008، اختصاصات المحاكم الاقتصادية في شقين رئيسيين، أولهما الاختصاص الجنائي، الذي يشمل النظر في الجرائم الاقتصادية، وعلى رأسها جرائم غسل الأموال المنصوص عليها في قانون غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002، وجرائم التهرب الضريبي، وجرائم البورصة الواردة في قانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992، فضلاً عن الجرائم المتعلقة بقوانين التمويل العقاري، الشركات، وتنظيم المنافسة ومنع الاحتكار.

أما الشق الثاني، فهو الاختصاص المدني والتجاري، والذي يشمل منازعات عقود الاستثمار، المنازعات المصرفية، قضايا الشركات، وحقوق الملكية الفكرية، على نحو ما نظمه قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية رقم 3 لسنة 2005، وقانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018.

الدوائر الجنائية والمدنية بالمحاكم الاقتصادية

وفقًا لما نصت عليه المادة الثانية من القانون رقم 120 لسنة 2008، تنقسم المحاكم الاقتصادية إلى دوائر جنائية وأخرى مدنية، حيث تتولى الدوائر الجنائية النظر في القضايا المتعلقة بالجرائم الاقتصادية، مثل قضايا التمويل غير المشروع، غسل الأموال، والجرائم الإلكترونية التي تناولها بالتفصيل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

فتختص الدوائر الابتدائية والاستئنافية بالمحاكم الاقتصادية، دون غيرها، بنظر الدعاوى الجنائية الناشئة عن الجرائم المنصوص عليها في القوانين التالي ذكرها:
1- قانون العقوبات في شأن جرائم التفالس.
2- قانون الإشراف والرقابة على التأمين في مصر.
3 – قانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة.
4 – قانون سوق رأس المال‏.‏
5 – قانون ضمانات وحوافز الاستثمار.
6 – قانون التأجير التمويلي.‏
7 – قانون الإيداع والقيد المركزي للأوراق المالية‏.
8 – قانون التمويل العقاري.
9 – قانون حماية الملكية الفكرية‏.‏
10 – قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد.‏
11 – قانون الشركات العاملة في مجال تلقى الأموال لاستثمارها‏.
12 – قانون التجارة في شأن جرائم الصلح الواقي من الإفلاس.
13 – قانون حماية الاقتصاد القومي من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة في التجارة الدولية.
14 – قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.
15 – قانون حماية المستهلك.
16 – قانون تنظيم الاتصالات.
17 – قانون تنظيم التوقيع الإلكتروني وإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات.

وتختص الدوائر الدوائر الابتدائية، دون غيرها بنظر المنازعات والدعاوى التي لا تجاوز قيمتها خمسة ملايين جنيهًا، والناشئة عن تطبيق عدد من القوانين‏، منها:

1-قانون الشركات العاملة في مجال تلقى الأموال لاستثمارها.
2-قانون حماية الاقتصاد القومي من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة في التجارة الدولية.
 3-قانون التجارة في شأن نقل التكنولوجيا والوكالة التجارية وعمليات البنوك والإفلاس والصلح الواقي منه.
4- قانون تنظيم التوقيع الإلكتروني وإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات.
5-قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.
 6-قانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة.
أما الدوائر المدنية والتجارية، فهي المختصة بنظر المنازعات ذات الطابع المالي والاستثماري، مثل منازعات عقود التجارة الدولية، نزاعات البورصة، وقضايا الشركات الناشئة، بما يحقق سرعة البت في هذه القضايا وفق القواعد القانونية المستحدثة.

أثر المحاكم الاقتصادية في المنظومة العدلية بمصر

منذ نشأتها، أحدثت المحاكم الاقتصادية تحولًا جذريًا في تحقيق العدالة المتخصصة، حيث أسهمت في تسريع الفصل في القضايا، مقارنة بالمحاكم العادية، وهو ما انعكس على تحقيق استقرار الأسواق المالية والاستثمارية.

كما أن وجود محكمة متخصصة في المنازعات الاقتصادية قد عزز الثقة في مناخ الاستثمار، حيث تضمن هذه المحاكم حقوق المستثمرين والشركات، وتوفر آلية قانونية متخصصة للفصل في النزاعات التجارية والمالية.

ولا يمكن إغفال دور هذه المحاكم في مواكبة التطور التشريعي والتكنولوجي، فقد أتاحت رفع الدعاوى إلكترونيًا، واستخدام آليات التقاضي الحديثة، بما يتماشى مع ما ورد في القانون رقم 146 لسنة 2019 بشأن التحول الرقمي في الإجراءات القضائية.

وفي الختام؛ يجدر بنا القول إن المحاكم الاقتصادية لم تكن مجرد استحداث تشريعي، بل مثلت نقلة نوعية في المنظومة العدلية، إذ وفرت قضاءً متخصصًا يتماشى مع طبيعة المعاملات الاقتصادية المعاصرة.

وإذا كان القانون 120 لسنة 2008 قد وضع اللبنة الأولى لهذه المحاكم، فإن التعديلات اللاحقة، لا سيما القانون رقم 146 لسنة 2019، قد عمقت من فعاليتها، وجعلتها أحد أعمدة تحقيق العدالة الاقتصادية في مصر.

وإذ تمضي الدولة نحو تطوير هذا النموذج القضائي، فإن دعم المحاكم الاقتصادية وتحديث آلياتها يظل ضرورة حتمية، تحقيقًا لبيئة قانونية عادلة، تحفظ الحقوق، وتضمن الاستقرار، في ظل اقتصاد عالمي لا يعرف الركود، ولا ينتظر المتباطئين في مواكبة تطوراته.

Related Posts

جريمة الإتجار بالبشر في ظل القانون رقم 64 لسنة 2010

الإتجار بالبشر في ظل القانون 64 لسنة 2010يتناول المقال الأبعاد القانونية والفقهية لجريمة الاتجار بالبشر، موضحًا صورها المختلفة وعقوباتها وفق القانون المصري رقم 64 لسنة 2010. كما يناقش عدم الاعتداد برضاء المجني عليه، وأهمية مكافحة هذه الجريمة لحماية الكرامة الإنسانية.

شركات المساهمة المبسطة وفقًا لنظام الشركات السعودي

تعرّف على شركة المساهمة المبسطة في نظام الشركات السعودي لعام 1443هـ/2022م، والذي يمنح الشركات مرونة إدارية وتنظيمية غير مسبوقة. شركات المساهمة المبسطة تمثل الخيار المثالي لرواد الأعمال والشركات الناشئة والعائلية، حيث تُسهّل الإجراءات وتلغي التعقيدات التقليدية مع توفير حماية قانونية متكاملة. اقرأ المقال للتعرف على أبرز المزايا، تأثيرها على بيئة الأعمال، والآفاق المستقبلية لهذا النوع من الشركات.

You Missed

يوم التأسيس السعودي: البعد التاريخي، الأثر الاقتصادي، والانعكاسات الاستراتيجية

  • من MAHMOUD
  • فبراير 20, 2025
  • 54 views
يوم التأسيس السعودي: البعد التاريخي، الأثر الاقتصادي، والانعكاسات الاستراتيجية

محاميات مصر (1) مفيدة عبد الرحمن: رائدة المحاماة المصرية وأيقونة النضال النسائي

  • من MAHMOUD
  • فبراير 11, 2025
  • 39 views
محاميات مصر (1) مفيدة عبد الرحمن: رائدة المحاماة المصرية وأيقونة النضال النسائي
المحاكم الاقتصادية في مصر: النشأة والاختصاص

جريمة الإتجار بالبشر في ظل القانون رقم 64 لسنة 2010

  • من MAHMOUD
  • فبراير 4, 2025
  • 37 views
جريمة الإتجار بالبشر في ظل القانون رقم 64 لسنة 2010
شركات المساهمة المبسطة وفقًا لنظام الشركات السعودي

إجراءات إنهاء العلاقة التعاقدية دون عقد موثق للعاملين بالمملكة العربية السعودية

  • من MAHMOUD
  • فبراير 1, 2025
  • 51 views
إجراءات إنهاء العلاقة التعاقدية دون عقد موثق  للعاملين بالمملكة العربية السعودية