مفيدة عبد الرحمن: رائدة المحاماة المصرية وأيقونة النضال النسائي

كتبه: منى سلامة

المحامية بالاستئناف والمدير التنفيذي لشركة سلامة للمحاماة والقانون

في رحاب التاريخ المصري، تبرز شخصيات نسائية نادرة، تترك بصمات لا تُمحى في مجالات شتى.

وإنه من بين هذه القامات السامقة، تلوح لنا سيرة المحامية الرائدة، مفيدة عبد الرحمن، التي وُلدت في 20 يناير 1914 بحي الدرب الأحمر بالقاهرة.

فقد نشأت الأستاذة الكبيرة مفيدة في كنف والدها، عبد الرحمن محمد، والذي كان خطاطًا بارعًا وصاحب مطبعة؛ وهو الذي قد خطّ المصحف الشريف بيده تسع عشرة مرة؛ ذلك الأمر الذي أثر على نشأتها، حيث أضفى عليها جوًا من الورع والعلم.

وعندما بلغت الأستاذة سن  الخامسة، التحقت بمدرسة داخلية للبنات، حيث تلقت تعليمها الأولي، وتعلمت النظام والانضباط على أيدي مشرفات بريطانيات.

ورغم أن حلمها كان دراسة الطب، إلا أن قدر الله ساقها إلى ميدان القانون، فبعد زواجها من الكاتب الإسلامي محمد عبد اللطيف، التحقت الأستاذة مفيدة بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا) عام 1935، وتخرجت فيها عام 1939، لتكون من أوائل النساء اللواتي اقتحمن هذا المجال في مصر.

بدأت مسيرتها المهنية بقضية “قتل غير متعمد”، حيث نجحت في تبرئة موكلها، مما أكسبها شهرة واسعة، وكانت هذه البداية لانطلاقة حافلة بالإنجازات. تخصصت في قضايا الأحوال الشخصية، وكانت عضوًا في لجنة تعديل قوانين الأسرة.

ومن خلال عملها في هذه اللجنة، لعبت مفيدة دورًا محوريًا في تحديث وتطوير التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية، مما أثر إيجابًا على حياة العديد من الأسر المصرية؛ فإسهاماتها في هذا المجال تعكس التزامها العميق بتحقيق العدالة والمساواة داخل المجتمع المصري.

ولم يقتصر دور الأستاذة على صولاتها وجولاتها في ساحات المحاكم، بل امتد إلى قبة البرلمان، حيث انتُخبت عضوًا في مجلس الأمة عام 1959، ومثّلت دائرتي الغورية والأزبكية في القاهرة لمدة 17 عامًا متتالية، لتكون أول امرأة مصرية تستمر في عضوية البرلمان لهذه الفترة الطويلة.

ورغم مسؤولياتها الجسام، كانت أمًا لتسعة أبناء، واستطاعت التوفيق بين حياتها المهنية والعائلية، مما جعلها نموذجًا للأم العاملة المثالية.

وانتهت رحلة مفيدة عبد الرحمن، بعد حياة مليئة بالأحداث، وعامرة بالنجاحات، وأسلمت الروح في 3 سبتمبر 2002 عن عمر ناهز 88 عامًا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإنجازات، لتظل سيرتها مصدر إلهام للأجيال المتعاقبة، ولتظل نبراسًا ليس لمحاميات مصر فقط، بل لمحاميات العالم

إن سيرة مفيدة عبد الرحمن هي تجسيد رحلة كفاح امرأة مصرية أصيلة، تحدّتِ التقاليد، واقتحمتْ مجالات كانت حكرًا على الرجال، لتثبت أن الإرادة والعزيمة قادرتان على تحقيق المستحيل.

لمزيد من التفاصيل حول مسيرتها الحافلة، يمكنك مشاهدة هذا الفيديو: