حقُّ المحامي في قبولِ التوكيلاتِ

إنَّ حقَّ المحامي في قبولِ التوكيلاتِ لهو حقٌّ مطلقٌ دونَ معقبٍ على المحامي، ولا يخضعُ لأي رقابةٍ، ولا يشكلُّ أيَّ مسؤوليةٍ على المحامي في قبولِهِ أو في رفضِهِ، وإن لم يكنْ من أولِ الحقوقِ المنصوصِ عليها في قانونِ المحاماةِ، إلَّا أنَّهُ الأجدرُ بالسبقِ في الترتيبِ لكونِهِ الترتيبَ المنطقيَّ من حيثُ تسلسُلِ العلاقةِ بينَ المحامي والموكِّلِ.

تنصُّ المادةُ 48 مِنْ قانونِ المحاماةِ على أنَّ “للمحامي حريةُ قبولِ التوكيلِ في دعوى معينةٍ أو عدمُ قبولِهِ وفقَ ما يمليِهِ عليهِ اقتناعُهُ”

فللمحامي الحقُّ التامُّ في قبولِ توكيلِهِ في دعوى معينةٍ مِنْ عدمِهِ، أو قبولِ أحدِ الموكلينَ أو خلافِ ذلكَ؛ ولا سلطانَ عليهِ في ذلكَ طالمَا عُرِضَتِ الوكالةُ عليهِ لا انْتُدِبَ لها.

ويسرِي هذا الحقُّ في مواجهةِ موكلِ المحامي الذي وكَّلَهُ بتوكيلٍ رسميٍّ عامٍ في القضايا، فلا يعني التوكيلُ هنا محضَ المحررِ الرسميِّ، وإنَّمَا يعني الوكالةَ ذاتَها في كلِّ دعوى على حدةٍ، فقدْ يكونُ أحدُهُمْ وكَّلَ المحامي عنهُ بمحررٍ رسميٍّ، إلَّا أنَّ المحامي له الحقُّ في قبولِ إحدى دعاواهُ أو عدمِ قبولِهَا على الإطلاقِ.

ويُنَاطُ هذا القبولُ تحققًا وانعدامًا بمدى قناعةِ المحامي بالدعوى المطروحةِ عليهِ، فقدْ لا يرى أنَّ دفاعَهُ -مهما بذلَ- منتجًا؛ وقد لا يرى في نفسِهِ المحاميَ المناسبَ لهكذا دعوى، وقد لا تروقُهُ الدعوى، أو يتعففُ عن نوعِها، أو أي سببٍ آخرَ؛ وكلُّ ذلكَ مستساغٌ، وبخاصةٍ أنَّ المحامي لا يحتاجُ أسبابًا لعدمِ قبولِ التوكيلِ يبديها للراغبِ في توكيلِهِ أو أيِّ جهةٍ كانتْ، فلا سلطانَ عليهِ في قبولِ التوكيلاتِ أو القضايا، ولا رقيبَ عليهِ.

وإنَّهُ مِنَ المقررِ في قضاءِ محكمةِ النقضِ [1] أنَّ استعدادَ المدافعِ عَنِ المتهمِ أو عدمَ استعدادِه أمرٌ موكولٌ إلى تقديرِهِ هوَ حسبَمَا يمليهِ عليهِ ضميرُهُ ويوحي بِهِ اجتهادُهُ وتقاليدُ مِهْنَتِهِ.”

ولا ينتقصُ من حقِّ المحامي في قبولِ التوكيلاتِ ندبُ المحكمةِ له للدفاعِ عن أحدِ المتهمينَ الذين لم يوكِّلُوا محامٍ عنهمْ للدفاعِ في موادِ الجناياتِ، كما لا يُعْتَبَرُ الندبُ إخلالًا بحقِّ الدفاعِ،  فإذا كانَ “المتهمُ لم يوكِّلْ محاميًا للدفاعِ عنْهُ، ولمْ يطلبْ تأجيلَ نظرِ الدعوى لتوكيلِ محامٍ، فندبتِ المحكمةُ لَهُ محاميًا ترافعَ في الدعوى وأبدَى ما عنَّ لَهُ مِنْ دفاعٍ فيهَا، فإنَّ المحكمةَ تكونُ قدْ وفَّرَتْ للمتهمِ حقَّهُ في الدفاعِ” [2]

وبناءً على ما سبقَ فإن المحامي لا يؤاخذُ إن قبلَ توكيلًا من مطلوبٍ أمنيًّا أو مدرجٍ على قوائمَ شديدِ الخطورةِ، فلا يسألُ عن ذلكَ او أسبابِهِ على الإطلاقِن فهو طليقٌ من كلِّ مسؤوليةٍ أو قيدٍ. كما لا يؤاخذُ دونَ قيدٍ أو شرطٍ إن هو رفضَ الوكالةَ.

ولكن يثورُ السؤالُ، كيفَ يقبلُ المحامي الوكالةَ أو يرفضُها، بحيثُ يكونُ ذلكَ ثابتًا ومرتبًا آثارَهُ؟

من المعلومِ أنَّ إصدارَ الوكالةَ العامةَ في القضايا أو الخاصةِ في قضيةٍ معينةٍ لا يتوقفُ على علمِ المحامي بهذا الإجراءِ، إذ لا يلزمَ حضورُهُ، فإن كان حضورُهُ لازمًا فلا معنى إذًا لنصِّ المادةِ (48) إذ إنَّ الأمرَ لو كانَ متوقفًا على قبولِ الإصدارَ لما قررَ له القانونُ الحقَّ في قبولِ التوكيلِ من عدمِهِ، ولكانَ حضورُهُ إقرارًا بالقبولِ، وبالتالي فإنَّ قبولَ المحامي الوكالةَ الصادرةَ له إنما يكونُ ناشئًا بعدَ إصدارِ الوكالةِ، ويرتبُ القبولُ آثارَهُ في حقِّ المحامي وحقِّ موكِّلِهِ.

وماذا لو قبِلَ المحامي ابتداءً إصدارَ وكالة له من أحدِ الأشخاصِ قبلَ أن تصدرَ الوكالةُ؟

فلنفترضُ أنه كانَ هناكَ اتفاقٌ على بنودٍ محددةٍ للوكالةِ والتزمَ بها الموكِّلُ وأصدرها على النحوِ المتفقِ عليهِ؛ هنا يكونُ القبولُ متحققًا، وبالتالي إذا اختلفتِ الوكالةُ عما هو متفقٌ عليهِ بين الشخصِ والمحامي فإن من حقِّ المحامي رفضَ الوكالةَ، ولا تُنْقَضُ الوكالةُ في جزءٍ منها دونَ الآخرَ، فإمَّا أن يقبلها وإما ألا يقبلها المحامي.

ولأن قبولَ الوكالةِ يجبُ لها الإثباتُ ليحققََ آثارَهُ في مواجهةِ المحامي، فإنَّهُ يجدرُ القولُ أن الإثباتَ والحالةَ هذهِ يجوزُ أن يكونَ بكافةِ الطرقِ، وأذكرُ بعض الصورِ لقبولِ الوكالةِ على سبيل المثالِ لا الحصرِ:

وجودُ مكاتبةٍ أو رسائلَ مكتوبةٍ بينَ الموكلِ والمحامي تفيدُ قبولَهُ الوكالةَ سيانَ كانت خطيةٍ أو إلكترونيةٍ.

وجودُ ما سبقَ على نحوٍ يشيرُ لاستلام المحامي الوكالةَ وعدمِ الاعتراضِ حتى وإن لم يجري المحامي بالتوكيلِ أي إجراءٍ على النحو الذي يفهمُ منه أن المحامي قصرَ في اتخاذِ الإجراءِ اللازمِ للموكلِ بما يفوِّتُ عليه المواعيدَ أو المنفعةِ.

اتخاذُ المحامي أيَ إجراءٍ بموجبِ الوكالةِ أو مخاطبةِ أي جهةٍ بموجِبِها.

وبناءً على ما سبقَ فليسَ على المحامي أن يبديَ قبولَهُ بشكلٍ معينٍ طالما أن التصرفَ وحدَهُ كافٍ لإثباتِ قبولِهِ، ولكن على المحامي اتقاءً لمغبَّةِ آثارِ الإثباتِ المرتبةِ للمسؤوليةِ المدنيةِ والتأديبيةِ أن يعلنَ للموكلِ عن عدمِ قبولِهِ الوكالةَ، حتى وإنِ استلمَ مستندَها الرسميِّ، إذ إنّهُ قد يستلمُ الوكالةَ ويجدُ بنودَها غيرَ مناسبةٍ له أو للأعمالِ المطلوبِ منهُ القيامُ بها، حتى لا يفوِّتُ على الموكِّلِ نفعًا أو يجرَّ عليه ضررًا باستلامِهِ التوكيل دونَ إفصاحٍ عن عدمِ قبولِهِ بما يفوتُ موعدًا أو يجعلِ الموكلَ في وقتٍ حرجٍ لا يسعُهُ معَهُ توكيلَ محامٍ آخرَ يضمنُ قبولَهُ الوكالةَ.

وفي كلِّ حالٍ إن من صورِ عدمِ قبولِ التوكيلاتِ أن يرفض المحامي استلامها صراحةً مع إنذارِ الموكِّلِ بإلغاءِ الوكالةِ،كما أنّ من صورِ عدمِ القبولِ عدمِ استلامِ المحامي أساسًا للوكالةِ وعدمِ علمِهِ بِها. وهنا على الموكلِ أن يثبتَ التسليمَ وإلا عدَّ نكولَهُ أو عدمَ إثباتِهُ الاستلامَ عدمَ قبولٍ من المحامي. 

—————————————————————————–

[1] الطعن رقم 167 لسنة 70ق، جلسة 5 من يناير سنة 2004، أحكام النقض، المكتب الفني، جنائيَّ، السنة 55، ص79.

[2] الطعن رقم 22443 لسنة 59ق، جلسة 7 من فبراير سنة 1990، أحكام النقض، المكتب الفني، جنائيَّ، س41، ص 330.

  • Related Posts

    زميلي المحامي الجديد جدًا – اللغة تاج الدفاع

    مقال بقلم الأستاذ محمود سلامة يسلط الضوء على أهمية اللغة العربية في مهنة المحاماة، ويؤكد أن الفصحى هي سلاح المحامي الأول وهيبته.

    المحاماة مظهرًا وجوهرًا

    إنَّ المحاماةَ ليستْ أزياءً تُرتدى ثم تُخلعُ، وليستْ كلماتٍ تُقالُ ثم تُنسى، وإنَّمَا هي عهدٌ معَ الضميرِ، وعقدٌ مع العدالةِ؛ والمظهرُ فيها ليسَ ترفًا شكليًّا، وإنَّمَا هو جزءٌ لا يتجزأُ من الرسالةِ، ووسيلةٌ من وسائلِ صونِ مكانتِهَا.

    One thought on “حقُّ المحامي في قبولِ التوكيلاتِ

    التعليقات مغلقة.

    You Missed

    ارتفاع سعر الدولار في مصر قراءة في إدارة خروج الاستثمارات قصيرة الأجل

    • من MAHMOUD
    • مارس 6, 2026
    • 67 views
    ارتفاع سعر الدولار في مصر قراءة في إدارة خروج الاستثمارات قصيرة الأجل

    حقُّ المحامي في قبولِ التوكيلاتِ

    • من MAHMOUD
    • فبراير 4, 2026
    • 316 views
    حقُّ المحامي في قبولِ التوكيلاتِ

    أزمة الكفاءة القانونية في الأجهزة الحكومية: لماذا تتزايد الأحكام القضائية ضد الدولة؟

    • من MAHMOUD
    • يناير 7, 2026
    • 328 views
    أزمة الكفاءة القانونية في الأجهزة الحكومية: لماذا تتزايد الأحكام القضائية ضد الدولة؟

    الحماية الجنائية للشيكات البريدية

    • من MAHMOUD
    • ديسمبر 30, 2025
    • 2005 views
    الحماية الجنائية للشيكات البريدية

    زميلي المحامي الجديد جدًا – اللغة تاج الدفاع

    • من MAHMOUD
    • أكتوبر 24, 2025
    • 887 views
    زميلي المحامي الجديد جدًا – اللغة تاج الدفاع

    المحاماة مظهرًا وجوهرًا

    • من MAHMOUD
    • أكتوبر 23, 2025
    • 1263 views
    المحاماة مظهرًا وجوهرًا